أكاديمية الشباب.. الطموح والجموح وحد السكين!

...
محمد علي إبراهيم
قم بمشاركة هذا الخبر مع الآخرين :

محمد علي إبراهيم

2017-09-12    06:01:46 pm

بمجرد إصدار الرئيس السيسى قراره رقم 434 بإنشاء الأكاديمية الوطنية للتدريب وتأهيل الشباب، تطوع المؤيدون للإشادة بالخطوة وشبهها كثيرون بالمدرسة الوطنية للإدارة الفرنسية التى أنشأها ميشيل دوبريه بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية لترسيخ الديمقراطية فى الاختيار للمناصب المدنية العليا.. وإذا كان الرئيس الفرنسى الحالى ماكرون والأسبق جيسكار ديستان من خريجى هذه المدرسة فإن ذلك لا يعنى بأية حال أن الأكاديمية المصرية ستخرج لنا فى المستقبل رؤساء وسياسيين.. القاهرة ليست باريس..

المدرسة الفرنسية التى انتقلت لستراسبورج لتخدم أوروبا كلها لم تلغ الأحزاب أو تصهر الأوروبيين فى بوتقة واحدة لإنتاج نمط سياسى موحد موال للسلطة.. وإذا كنا مبهورين بتقليد تجربة ناجحة فلابد أن نعلم سلبياتها وإيجابياتها فمؤسسها دوبريه صاحب فكرتها سفاح مشهور وقد عزله ديجول بعد إصداره أمراً بمذبحة رهيبة لمئات العمال الجزائريين 1961.. ليس كل ما يلمع ذهباً.. دعونا ندرس التجارب السياسية للشباب فى الماضى لنتجنب الأخطاء فى المستقبل ونخرج بإيجابيات جيدة..

أولى تجارب الاهتمام بالشباب كانت فى عهد عبدالناصر 1963 عندما أراد ذراعاً سياسية مؤيدة له فى الشارع مع تزايد نفوذ عبدالحكيم عامر فى الجيش.. تشكلت أول لجنة مركزية لمنظمة الشباب الاشتراكى من 52 عضواً والأمانة العامة من 7 أعضاء.. المهمة تولاها عام 1965 الراحل العظيم زكريا محيى الدين كنز الأسرار الذى لم يستنطقه أحد، وأحد أخلص رجال ناصر وهو الذى أنشأ جهاز المخابرات العامة وتولى تدريب الفدائيين عام 1952 وأحال حياة البريطانيين لجحيم فى قناة السويس حتى الجلاء..

زكريا الكتوم قدم لناصر 14 قيادياً لم يعترض عليهم الزعيم رغم وجود إسلاميين بينهم مثل د. أحمد كمال أبو المجد ويساريين مثل د. يحيى الجمل وماركسيين مثل د. محمد الخفيف وذوى الميول الأمريكية مثل د. عبد الخالق علام (نائب رئيس الجامعة الأمريكية فيما بعد) وضباط جيش وشرطة مثل لواء أنور بهاء الدين والعقيد كمال الحديدى بالإضافة لحسين كامل بهاء الدين (وزير التعليم فيما بعد) وبعض وزراء فترة مبارك بعد ذلك كعبد الأحد جمال الدين ومفيد شهاب وعلى الدين هلال..

أهم ملامح المنظمة أنها كانت أقرب إلى حزب للشباب لا يتبع أى جهة حكومية أو رسمية.. مراكز التدريب كانت فى مرسى مطروح وحلوان.. أتذكر أنه فى عام 1970 ذهبت لمعسكر حلوان وكان البرنامج هو كيف تتغلب على الإحباط من الهزيمة وتدير حواراً ليس به الرطانة اليسارية والكلمات الخشبية أو التزمت الدينى.. لكن المنظمة انهارت لعدة أسباب.. أهمها أن كل القامات التى ذكرتها لم تستطع تبرير النكسة للشباب.. ثانياً أن خريجيها انقلبوا على الناصرية مثل أحمد بهاء شعبان الماركسى والمهندس عمر عبدالله الذى أصبح قيادياً فى الإخوان المسلمين وغيرهما.. غير أن أهم دروس الاستفادة من هذه التجربة أن الناصرية التى وفرت للشباب الوظيفة والسكن والعلاج والتربية الثقافية لم تغن عن الديمقراطية خصوصاً بعد مرحلة الصدام مع اتحاد الطلاب بالجامعة..

«الشرنقة» التى وضعها ناصر للشباب لم تمنع خروجنا فى مظاهرات ضده وهتفنا «غير.. غير يا جمال» بعد النكسة.. ثم حلها السادات بعد حرب أكتوبر عندما سارت مظاهرات تصرخ «يا سادات.. يا سادات.. فين قانون الحريات».. ومن العيوب أيضاً أن بعض الأعضاء كانوا «جواسيس» للأمن مثل وزير شباب راحل اشتهر بإدخال زملائه المعتقل.. الرئيس السيسى عندما فكر فى هذه الأكاديمية لم يهدف إلى غسيل مخ الشباب وتدجينهم ليصبحوا مناصرين للنظام كما يتردد، ولكن لتطوير قدرات ومهارات الأجيال الجديدة لتحتل مناصب هامة فى سلم الإدارة المحلية و«التوزير».. من ثم فهى ليست ظهيراً سياسياً حسبما يزعمون بقدر ما هى تأهيل إدارى وتدريب وظيفى متقدم وتطوير مهارى للتعليم الجامعى ونأمل أن تؤدى إلى الارتقاء بمستوى الخريجين وتحتذى بها الجامعات الحكومية والخاصة الأخرى لرفع تصنيفها العالمى..

من ثم فإن الربط الذى يقوم به البعض بين الأكاديمية الجديدة وفرص تخريج سياسيين ورؤساء ووزراء ليس فى محله.. فمصر ليست فرنسا.. والمدرسة الوطنية الفرنسية للإدارة لم تلغ الأحزاب أو التنافس بينها.. الفرنسيون يعلمونك كيف تدافع عن فكرك الحزبى ضد المنافسين.. لكن مشكلة الأكاديمية المصرية أنها ستتبع رئاسة الجمهورية ويديرها مجلس أمناء برئاسة رئيس الوزراء فهى حكومية 100% لذا فإن فكرة التعددية السياسية والتنافس الديمقراطى من خلال هذا المشروع الجديد تبدو منعدمة تماماً..

تصورى أنه ربما يكون للأكاديمية هدف آخر هو تخريج «بدلاء» لأنصار النظام الحاليين الذين فشلوا فى الدفاع عنه وأصبحوا عرضة للسخرية وطالتهم الفضائح المالية والأخلاقية.. بالتالى هى «فلتر» أكاديمى للدفاع عن الدولة.. لقد فشلت التجارب السابقة (منظمة الشباب الاشتراكى وأكاديمية السادات للعلوم الإدارية) فى تحقيق الهدف لأنها ركزت على الموالين فقط وللأسف هذا التكتيك ابتدعه هتلر وسار على طريقته ميليشيات الإخوان المسلمين فى اختراق الطلاب بالجامعات والمدارس.. الحياة السياسية الحقيقية هى البديل لهذه الأكاديمية أو لمؤتمرات الشباب..

وبالتالى إذا تم تصنيف الأعضاء حسب انتماءاتهم والاقتصار على المؤيدين وعدم السماح لأصحاب الرأى الآخر سواء من المدرسين أو الطلاب سيجعلها مجرد استنساخ لما قبلها من محاولات.. أكاديمية الشباب فكرة جيدة لتطوير التعليم والارتقاء به من الحفظ والتلقين إلى الإبداع لكنها لن تنجح فى تجميل صورة النظام السياسية ما لم تسارع الدولة نفسها للالتحام بكل طوائف الشعب وليس الشباب فقط.. الناس تقدر جهود الرئيس السيسى لتحسين ظروف المعيشة لكن تسويق الإنجازات لن يكون بانتقاء الشباب أو تجنيد أقلام أو صحف معينة لهذا الدور..

من الصدق أن تعى الدولة أن الناس لم يعد فى طاقتها مقدرة على الصبر بأكثر مما صبرت ولا تحتمل الظلم الاجتماعى بأكثر مما احتملت.. من ثم فمن مصلحة النظام وهو ينجز مشروعاته القومية العملاقة أن يقوم بتصحيح مساره الاجتماعى والسياسى والاقتصادى وتعديل رؤاه وضبط البوصلة على اتجاه الأغلبية من الشعب وليس على فئة دون أخرى.. إن واجب السلطة السياسية أن تذهب إلى الناس.. تقول لهم وتسمع منهم، تناقشهم وتحاورهم وتطرح عليهم رؤاها وتسمع منهم هواجسهم ومخاوفهم وليس واجب السلطة أن تفرض عليهم بالقسر وبالقوة آراءها وبرنامجها فذلك كله يضع شرعيتها ومشروعيتها على المحك الذى يُشبه الوقوف على حد السكين. ثم إن السلطة السياسية يجب أن تعرف أنها إذا أحست أو تصرفت بمنطق الحق الإلهى فى الحكم استغنت ومن ثم انعزلت لكنها إذا تواضعت سعت إلى الناس ومن ثم فإنها تقودهم إلى حيث آمالهم ومناهم.

وأخيراً فإن النظام السياسى عليه أن يفهم ويعى بإدراك عميق واقتناع لا يخالجه شك أن حل المشاكل والأزمات لا يتأتى عن طريق تجاهلها بالصمت ولا عن طريق استخدام وسائل القهر والقسر وانتهاج أسلوب المنع والقبضة الأمنية لإسكات الأصوات فى الحلوق وكسر الأقلام فى الأيدى ولا عن طريق الغطس فى بحور المُنى وإنما وضوح الرؤية نصف الطريق إلى الحل.. إن العمل الواعى الجاد هو نصف الطريق الثانى... إنها مجرد همسة مخلصة ناصحة فى أذن السيد الرئيس علها تصل وتنفع فى إصلاح ما تهدم حتى لا يجد كل الذين انتخبوا الرجل يقولون ما قاله شاعر العرب بن المعتز.. أمل رجوناه وبتنا نرقبهُ حتى إذا ما كان ضل مقصده. والله من وراء القصد..




الرئيسية
آخر الأخبار
انفوجرافيك
المقالات المتعلقة
ألبوم الصور