فكر الغلو.. وغلو الفكر

...
محمد أبو ليلة
قم بمشاركة هذا الخبر مع الآخرين :

محمد أبو ليله

2017-02-18    am 11:32:57

مما لا شك فيه أن التطرف والغلو أمر مذموم في الشريعة، ومخالف للحنيفية العظيمة، ومناقض للفطرة السليمة؛ لأن هذا الدين بُني على التيسير، ورفع الحرج وذم التشديد، والأمر به محفوظ عن رسول الله r من فعله وقوله، متواتر من هديه وخُلقه، وقد أمر به كما في الصحيحين، فقال: «يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا، وَلاَ تُنَفِّرُوا»، وبين أن الدين نفسه يسر، ففيه إشارة إلى أن كل من انتهج الغلو دينا فقد انحرف عن الدين المستقيم، واتبع غير سبيل المؤمنين، فقال:«إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا ..»، وعندما تضيق الأمور وتشتد، يأتي الفرج فتنحلّ، وإذا ضاق الأمر اتسع، ولذلك لما وقَفَ r فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ بِمِنًى لِلنَّاسِ يَسْأَلُونَهُ، وجَاءهُ رَجُلٌ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ فَقَالَ: «اذْبَحْ وَلاَ حَرَجَ» فَجَاءَ آخَرُ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: «ارْمِ وَلاَ حَرَجَ» فَمَا سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلاَ أُخِّرَ إِلَّا قَالَ: «افْعَلْ وَلاَ حَرَجَ».

وأما الغلو  فلفظ يدور على معنى مجاوزة الحد والقدر، أيا كان موضعه في القول أو الاعتقاد أو العمل، وقد ذمه الله  تعالى في كتابه الكريم، فقال تعالى: ﴿ يَا أَهْلَ الكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الحَقَّ ﴾ (سورة النساء : الآية 171 ) وحذر منه سيد المرسلين فقال ثلاثا: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ».

وهذا الغلو والتطرف قد يكون في الاعتقاد، فتنشأ عنه فرق الضلال، وتُولد من رحمه الفتن والأخطار، ويصبح المبتدع سيافا يضرب رقاب المخالفين، ويظن أن ما يفعله دينا، ويتقرب إلى الله بما يفعله فيضل بذلك ضلالا بعيدا، ولنا في الخوارج عبرة، وفي المعتزلة شاهد وقصة.

وقد يكون التطرف والغلو في القول والعمل،  وقد لاحظ النبي   rشيئا من بوادر ذلك كما في قصة الثلاثة رَهْط الذين جاؤا إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ r، يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَته، وفيه قول رسول الله r «أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي»، والقاعدة في هذا قول سيدنا رسول الله r لعبد الله بن عمرو بن العاص- رضي الله عنهما-: صُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا..".

والشخص إذا شدد على نفسه وأبى إلا ذلك فشأنه ونفسه، لكنه إذا دعى إلى منهجه فهنا يكون معه وقفة؛ لأنه سيدخل إلى أفكار الناس ما تنافيه الفطرة، وقد ينسبها إلى الشرع فتعظم الفرية، هنا يكون تفسيره للنص متشددا كذلك، حيث تكلف وتعمق وادعى ما لم تكن حقيقته كذلك.

 وقد يكون التطرف والغلو في الفكر، عندما يأخذ الشخص بآراء شاذة بعيدة عن روح الشريعة وعمومتها، أو يخرج بقول مخترع يخالف الإجماع، فيتسبب للناس في تشتت عظيم

وخلاصة الموضوع أن الفكر المتطرف هو:
1- كل فكر بُني على تحزب وتعصب لفكره ما، وادعى أن فِكره هو الإسلام، وأن ما عداه يكفر، أو ينقص إيمانه، أو ساهم في تشتت الأمة وتمزقها.
2- كل فكر حمل سلاحا على المسلمين، أو حملهم على اعتناق فكره بقوة السلطان كالمعتزلة، وأراق دماء من خالفه كالخوارج.
3- كل فكر أخذ بالشاذ من أقوال العلماء، وجعله لنفسه منهجا، أوخالف الإجماع كبعض مراهقي العصر.
4- كل فكر قلل من شأن العلم والعلماء، أو طعن فيهما، أو تكلم بما لا يليق عن الصحابة.
5- كل فكر يدعو الأمة إلى السبات العميق والاستسلام لعدوها،والتخلف والجهل أمام أعدائها وأصدقاءها.
6-كل فكر يتبنى القضاء على المؤسسات العلمية الشرعية، بدلا من إصلاحه وتقويتها.

7-كل فكر بني على اعتناق قول واحد، ورد القول الآخر وإن كان فيه الصواب.
واسأل الله أن يحفظ مصر، وجميع بلاد المسلمين، والحمد لله رب العالمين.




الرئيسية
آخر الأخبار
انفوجرافيك
المقالات المتعلقة
ألبوم الصور