«مولانا» بين الواقع والخيال

...
قم بمشاركة هذا الخبر مع الآخرين :

محمد أبو ليله

2017-01-20    am 01:08:26

الحق يقال أن هذا الفيلم يحتوي على بعض الجوانب الإبداعية، والأفكار الإصلاحية، وقد صور شخصية الشيخ الأزهري فلم يُكثر من الإساءة إليها كعادة بعض الأفلام، وأظهره في غالب الأحوال شخصية متفتحة لها فكر، ورأي، ومنهج إصلاحي، ولعل مؤلف الرواية قد مزج الواقع بخياله الذي يحب أن يراه في شخص الشيخ الأزهري، غير أنه أساء في مواطن كثيرة، جاوز بها الإنصاف، وخرج عن منهج الاعتدال، فمن ذلك: أنه بدأ الفيلم بحديث" استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك"، وهو حديث لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأخطأ الممثل في النطق، فقال : "الناسَ" بفتح السين ، وهي بالضم، وهذا المنهج العجيب الذي يسلكه مؤلف الرواية في الفيلم وغيره بتصحيح الضعيف، وتضعيف الصحيح تبعا للرأي واللحظية منهج عجيب! خاصة أن هذا الحديث الضعيف عمدة عندهم يستدلون به على رد الأحاديث الصحيحة التي لا توافق عقولهم وأفكارهم.
أليس الأئمة الذين تقولون: كيف أتوا بأحاديثهم بعد هذا الزمان الطويل هم من أخرجوا هذا، وأخرجوا ذاك؟
فلم قبلتم حديثهم هذا وصححتموه، ورددتم بعض أحاديثهم لاسيما التي أخرجها البخاري ومسلم؟ ثم هل القلب يصلح كقاعدة علمية يصحح بها الحديث ويضعف؟ أليست القلوب تختلف نورا وفهما؟ وعلما وجهلا؟ أم أنكم تريدون أن يكون لكل إنسان ما يروق له من الأحاديث، تبعا لتصحيحاته وتضعيفاته، وبهذا نصل إلى أنه لا دين، أو لكل منا دين!

ثم قال المؤلف في نهاية الفيلم:" هنستفتي قلوبنا اللي هتفتينا بس بكلام الله الحق"، مع أنه قال في بدايته:" وأسأل الله الأجر حين يوفقه ( يقصد مولانا) إلى الحق الذي لا يعرفه يقينًا إلا هو عز وجل"، أليس في هذا تناقضا؟

ثم هل يتصور الأستاذ الكاتب أن علماء الحديث لم يكونوا يُمرون الكلام على قلوبهم؟ لو أنه قرأ أحكامهم على الرواة والأحاديث، وكيف يقولون: يَقع فِي قلبِي أَنه (كذا)، وفلان أجل في قلبي من فلان، وفلان في قلبي عليه شيء، وكما قال أبو حاتم في علل الحديث (4/ 75): "لَمْ يَزَلْ فِي قَلْبِي مِنْ حديث الحسن بن أَعْيَن حَتَّى رأيتُ هَذَا الحديثَ، وَقَدْ كتبتُ عَنْ إسماعيلَ بْنِ رَجاء، وَلَمْ أَكْتُبْ عَنْهُ هَذَا الحديثَ"، وقد اشتهر عن بعضهم قولتهم في بعض الأحاديث: "وهو مما أستخير الله فيه"، إذا فالأئمة يعرضون الحديث على قواعدهم، ويعرضونه على قلوبهم، وفرق بين قلوب متصلة بالسماء؛ لأنها خلقت لهذا العلم واصطُفيت له، وبين قلوب تروح وتأتي مع الريح.
وهذا العرض على القلوب يتزامن مع العرض على القواعد النقدية العقلية الحديثية التي وضعها أهل النظر من المحدثين، وبما أن المؤلف لا يعرف قواعدهم النقدية، ولا يعرف أنها عقلية لدرجة أنه لا يستطيع أن ينقدها بعقله، أو يجد أفضل منها عقلا؛ لأنهم أكملوها عقلا وفهما، وإن شاء فلينقد، وليرنا نقده.

ومن المعلوم أن هناك مناهج في فهم الحديث الشريف ودراسته منها: منهج المعاصرين الذي هو في كثير منه لم يسلم على مدرسة نقدية واحدة، والذي أثبتت الأيام عدم تماسكه أمام التحديات، ومنهج يدعو إلى العرض على القلب، وإبطال القواعد العلمية، وهذا منهج المراهقين فكريا، ومنهج يدعو إلى المتقدمين والمتأخرين، وهو منهج طيب جدا، ولكن عليه ملاحظات، ومنهج أهل النظر الذي يعتمد النقل والعقل، ويخاطب الفكر والروح، وهو منهج الأئمة الكبار، وهو الكفيل بالإجابة على كل ما يطرق عقل الباحث باختصار وسهولة، وهو المنهج الذي أطالب الكاتب بفهمه؛ ليعرف كيف يفكر الأئمة، وكيف صنفوا كتبهم، وبدونه لن يصل إلى الحق المبين إذا ما كان يريده.

نعم أئمة الحديث ومنهم البخاري، وغيره ليسوا بمعصومين، ولكن لكي تخطئهم لابد من إثبات هذا الخطأ بالدليل، وقبل أن تُخطِّئ لابد أن تفهم منهجيتهم، وإلا فكأنك تحرث في بحر! 

وينبغي أن يعلم الكاتب أن مسألة الانتقاد على الصحيحين بالذات من المسائل التي تنبع إبداعا، والمخالفون من مراهقي المعاصرين يفرحون بتعرضهم لهذه المسألة، وكأنهم يجدونها فرصة لإحراج من يحدثونه من أهل الحديث، ولو علموا عمقها ما تكلموا؛ لصعوبتها على عقولهم أولا، ولأنها ستكشف جهلهم العميق ثانيا، إذ هي من المسائل الفاضحة الكاشفة!

ثم إن المؤلف صور أئمة الحديث وكأنهم يكتسبون بعلمهم ويعتمدون عليه ليحصلوا مجدهم، ففي الفيلم الذي خط قصته بيده: " أنا شخصيًا كسبت من الشغلانة دي أكثر من البخاري، ومسلم، والقرطبي، وابن كثير، والدارقطني"، وهذا كلامٌ لا يصدر أبدا ممن عرف أحوالهم، وتتبع أخبارهم، وقرأ محنهم، نعم قد يفعل ذلك بعض الدعاة المشاهير ممن يعرفهم الكاتب، حيث يتخذون الدين سلما للمجد والتكسب، لكنه لا ينطبق أبدا على العلماء الأولين؛ لأن العلم عندهم دين، وكما قال محمد بن سيرين رحمه الله:" إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم".

كما يظهر في الرواية كذلك تحير المؤلف في شخصية مولانا ، فهو مع تصريحه بالفرق بين اجتهاد العالم الذي يُنسب له ( وهذا أوافقه عليه) وبين الدين، غير أنني رأيته اضطرب في وصف شخصيته اضطرابا عجيبا، فتارة هو ينافق، وتارة لا يقول إلا الحق، مع اللمز في الفيلم لبعض من ليس على فكر مولانا خاصة من العلماء الرسميين تصريحا وتلميحا.

هذا مع وضع الآيات في غير موضعها مثل:" {فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} [يس: 9]، ونطق بعضها خطأ ك:" {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ } [الأحزاب: 37]، حيث قال الممثل: إمسك بكسر الهمزة، وهي بفتحها، ونسي أن يذكر قوله تعالى" واتق الله"، مع نطق بعض الأحاديث خطأ، وبعضها ضعيف يظنه صحيحا كما قدمت.

فهذه بعض الخواطر السريعة على هذا الفيلم، معظمها عن فكرة الفيلم، وبعضها عن أخطاء الممثل، ولم أشأ أن أتعرض تفصيليا لكل جزئية، فهذا أمر يطول ذِكره، ويصعب حصره، وفي النهاية أسأل الله تعالى التوفيق للكاتب والمشاركين في هذا العمل، وأن يسعدهم في الدارين، وأن يحفظ مصر آمنة مطمئنة، وجميع بلاد المسلمين.
 




الرئيسية
آخر الأخبار
انفوجرافيك
المقالات المتعلقة
ألبوم الصور