الاستثمار حياة أو موت!

...
الدكتور عبدالمنعم سعيد
قم بمشاركة هذا الخبر مع الآخرين :

عبد المنعم سعيد

2017-01-08    am 08:47:17

يمكننا أن نشرع فى عشرات من المشروعات العملاقة، وأن نعيد تجديد البنية الأساسية ، وتصبح لدينا عاصمة تراثية وأخرى إدارية؛ ولكن كل ذلك لن يأخذنا إلى معدلات عالية من النمو، ولا الخروج من الضائقة التى نعيش فيها، ولا الوصول إلى مستويات الدول المتقدمة، أو حتى البقاء ضمن ما كنا عليه فى السابق من «الدول البازغة»، ما لم تتدفق الاستثمارات الخاصة على مصر من داخلها وخارجها. عام ٢٠١٦ شهد بداية ضوء على هذا الطريق، كما جعل الطريق ممهداً عندما بات لدينا سعر واحد لعملتنا، ربما كان منخفضا، ولكنه كان يعكس الحقيقة المُرّة ويضعها أمامنا جلية ناصعة.

والحقيقة أنه لا توجد قصة أخرى لدى دول العالم الأخرى الجادة بالطبع سوى العمل على إطلاق طاقات الاستثمار فى الدولة، من خلال فك القيود على عمليات الاستثمار لكى تصل إلى مستويات وسقوف لم تصل لها من قبل. ويجب ألا يدهشنا أن الرئيس الأمريكى المنتخب دونالد ترامب جعل على رأس أولوياته فى السلطة أمرين: تقليل الضرائب على الأغنياء (نعم الأغنياء ولا توجد غلطة مطبعية هنا) لأنهم هم الذين يبنون ويستثمرون؛ ولأنهم على الأغلب الأفضل تعليما والأكثر مهارة وخبرة، وعلى الأرجح أن لديهم سوابق أصيلة فى النجاح. والأمر الثانى هو فك القيود على عملية الاستثمار فى الدولة، ورفع كل ما يمنع أو يعوق تدفق الاستثمارات فى الدولة.

لاحظ هنا أن الولايات المتحدة تشغل المكانة الثامنة فى تقرير ممارسة الأعمال الصادر عن الأمم المتحدة لعام ٢٠١٧ ولا يسبقها إلا نيوزيلندا، وسنغافورة، والدنمارك، وهونج كونج، وكوريا الجنوبية، والمملكة المتحدة. ولاحظ هنا أيضا أن كل من سبقوا كانوا نسبيا من الدول صغيرة الحجم والمساحة وعدد السكان، بينما أمريكا واسعة باتساع قارة أمريكا الشمالية، وتشغل مكانة ما بين محيط (الأطلنطى) ومحيط (الباسيفيكى)، وفيها ٥٠ ولاية تحتوى على ما هو أكثر من ٣٠٠ مليون نسمة، وهى دولة فيدرالية معقدة التركيب. رغم كل ذلك، فإن السيد ترامب وجد أن المكانة الثامنة كارثية بالنسبة لدولته، ومن ثم فإنه جمع فريقا واسعا من الخبراء، وأساطين رجال الأعمال والمشروعات الموجهين بمهمة كبرى: رفع القيود عن الاستثمار فى الولايات المتحدة الأمريكية.

لا يوجد حديث هنا عن «الشباك الواحد» المجنى عليه، والذى أعيا الحياة الاقتصادية المصرية على مر عصور من الفلول والثوار؛ ولا أحد ينتظر ما سوف يأتى به الحظ أو طول البال وعيش الانتظار. ولكن المهمة، كما هو الحال فى مواجهة التحديات الكبرى، لها «قيصر»؛ والقيصر سوف يكون فى البيت الأبيض يجاور الرئيس، والاسم هو كارل أيكان ولقبه «مستشار الرئيس الخاص بأمور القيود على الاستثمار». الرجل ملياردير، ورجل أعمال ناجح، والكل يعلم أن لا أحد سوف يتحدث عن زواج المال مع السلطة؛ وإنما سوف يتابع عمليات فك القيود عن عمليات خلق الثروة، وتوفير العمل والوظائف، وتحقيق النمو بالمعدلات التى وعد بها ترامب، وهو ما لا يحدث دون استثمارات كثيرة. ووراء القيصر فريق كبير ممن لديهم ذات القناعة، «ويلبر روس»، وزير التجارة، الذى تخصص فى النجاح، فيأخذ الشركات والمشروعات الفاشلة لكى يحولها ناجحة، وما كان يخسر يدر مالا، ومن يفقد الوظائف يستعيدها. و«ستيفن منشن» وزير المالية من رجال البنوك الكبار، ورئيس واحد من أكبر البيوتات المالية «جولدمان ساكس»، وصاحب المعرفة فى العقبات التى تمنع البنوك من إقراض المشروعات بما يكفى للاستثمار، والتى سوف تكون مهمته إزالتها. «توم برايس» وزير الصحة والخدمات البشرية، مهمته إطلاق طاقات القطاع الخاص فى قطاع الصحة المهم، بحيث يكون أكثر تنافسية ويبتعد عن احتكار الدولة. و«سكوت بروت» الذى سيترأس وكالة الحماية البيئية، وكان مدعيا عاما لولاية أوكلاهوما، وعرف كيف يتعامل مع القيود الحكومية التى تستخدم البيئة كعقبة أمام الاستثمار واستخدام الموارد الطبيعية. و«أندرو بزدر» كوزير للعمل اكتسب خبرته الإدارية من الخدمات كثيفة العمالة فى مطاعم الوجبات السريعة (كنتاكى وهارديز)؛ وهى فى دولة تصنع فعلا من الإبرة إلى الصاروخ، وتجوب مركباتها الفضائية المسافة من القمر إلى المريخ، ذات أهمية كبيرة، ينبغى ألا تقف أمامها قيود.

هذا فريق كامل، تجمعه فقط تجربة مشتركة للتعامل مع أشكال مختلفة من القيود التى كانت تحاصر، من وجهة نظرهم ومعهم «ترامب»، عملية الاستثمار فى أمريكا، لأنها مسألة حياة أو موت، ليس لأن الدولة فقيرة أو متخلفة، أو حتى لأنها تقع فى المكانة الثامنة من تقرير ممارسة الأعمال، وإنما لأنهم يريدون لأمريكا مكانة لا يلحق بها أحد. هؤلاء من مارسوا ونجحوا وفازوا وحققوا أرباحاً، وخلقوا وظائف وأعمالاً، وانتقلوا طوال حياتهم من ثروة إلى ثروة أكبر. وبالطبع، فلا توجد هنا رغبة فى تقليد دولة عظمى، ولا سير فى الطريق الذى سارت فيه، ولكن بالتأكيد فإن مصر يمكنها الاستفادة من المثال، فيكون هناك توسيع فى آفاق النظر، وفى أسلوب العمل، وفى اختيار الموظفين، وربما إلقاء نظرة أخرى على مكاننا فى تقرير ممارسة الأعمال (١٢٢)، فنضع هدفا لا يقل عن المكانة الخمسين التى بدونها لا يمكن لعمليات الإصلاح الاقتصادى التى بدأت أن تأتى بثمارها.

بصراحة فإن البيروقراطية لا تولد إلا البيروقراطيين، والبيروقراطيون لا يولدون إلا البيروقراطية التى ليس فيها إلا القيود على الثروات المصرية الطائلة.

نقلا عن المصري اليوم.




الرئيسية
آخر الأخبار
انفوجرافيك
المقالات المتعلقة
ألبوم الصور