الهتيفة والرئيس.. وتصدير الشعبية!

...
الكاتب محمد علي إبراهيم
قم بمشاركة هذا الخبر مع الآخرين :

محمد علي إبراهيم

2016-09-25    pm 10:59:37

احتفظت بصداقات متينة مع عدد من السفراء والدبلوماسيين الأجانب الذين خدموا فى القاهرة منذ 1991 إلى 2005.

15 عاماً ترأست خلالها صحيفة الإجيبشيان جازيت التى تدخل منزل ومقر كل دبلوماسى أجنبى فى مصر.. منهم من كان يتحدث العربية بطلاقة مثل ريتشاردونى، السفير الأمريكى الأسبق، وديفيد هيل، أحد دبلوماسى السفارة.. لكن الصديق الأقرب كان برتراند أربل، سفير ألمانيا فى القاهرة من 2006 إلى 2010، وقبلها عمل مستشاراً إعلامياً فى التسعينيات، حيث كان دائم التردد على الأماكن القديمة فى القاهرة التى يحتفظ بذكريات فيها، حيث درس اللغة العربية وكان يسكن فى أحد فنادق الدرجة الثانية بشارع رمسيس فى السبعينيات.. خرجنا أكثر من مرة لتناول الغداء، وكان يهوى شوربة وفتة العدس.. وعمل فى العراق فترة من الزمن، ويحفظ شعراً لبدر شاكر السياب وسعدى يوسف والعظيم مهدى الجواهرى.

خرج أربل للمعاش وعاد إلى ألمانيا مع زوجته السيدة مى، وهى لبنانية الأصل مسيحية الديانة.. وجرت العادة أنه عند زيارة أى رئيس مصرى لأى دولة بالعالم تتم دعوة السفراء السابقين المميزين لتلك الدولة الذين خدموا بالقاهرة.. كان من حظ أربل أن حضر زيارة الرئيس عبدالفتاح السيسى لألمانيا فى أكتوبر 2014 باعتباره أحد أبرز السفراء الألمان فى مصر.. بعدها بشهر اتصل بى هاتفياً، وقال إنه كان فى غاية الإحراج من الطبل والزغاريد والزمامير التى صدحت فى حديقة السفارة ببرلين أثناء الاستقبال الرسمى، وأضاف «مصر كبيرة قوى.. ورئيسها أهم زعيم بالمنطقة.. أنا كنت عايز الأرض تنشق وتبلعنى!؟.. الألمانى شعر بالإحراج أمام بنى وطنه لما يحدث من مصريين يعتبرهم وطنه الثانى ويراهم أعظم حضارة وأهم دول الشرق الأوسط.

تذكرت هذا كله وأنا أتابع زيارة الرئيس السيسى لنيويورك، وما صاحبها من معارك الردح «الفيسبوكية» والفضائية ومبارزات دق الكفتة بين ألتراس السيسى وألتراس الإخوان، أثناء حضور فعاليات الدورة الـ71 للأمم المتحدة.. بالنسبة لمؤيدى الرئيس السيسى: هل لاحظتم أن أى رئيس زار مصر أو أى دولة أخرى، واصطحب معه فرق طبل وزمر ورقص! هل تدركون أن هذه أسوأ دعاية للرئيس وأكبر دليل على فشل فريقه الإعلامى وتخلفه المهنى!

ثانياً: فريق الإخوان أو أعداء السيسى.. ماذا تفعلون بالله عليكم؟ ممكن يكون ذلك من باب فش الغل أو الفراغ السياسى، لكن لن يكون له أثر سلبى على الزيارة.. كل اجتماع حضره الرئيس كان الطرف الآخر ملماً بالوضع فى مصر بخيره وشره، لكن لن يكون له أثر سلبى على الزيارة.. ثم كان على السيرك الذى اصطحبه الرئيس معه أن يدرك أن السيسى ذاهب لأهم اجتماع سنوى على مستوى العالم.. لم يكن ذاهباً لحفلة عرس أو تهنئه بزفاف سعيد.. أيضاً أقول للإخوان أن الزعماء والسياسيين والرؤساء الذين قابلوا الرئيس ملمون بالأوضاع فى مصر، ولن يقول أحدهم للرئيس «إخص عليك يا سيسى.. كنا فاكرينك راجل كويس»، ثم يلغى الاجتماع أو يعاتبه على موقفة السياسى من الإخوان.. الفريقان أهانا الرئيس.. أحدهما بحسن نية وغباء، والثانى بسوء طوية وانتقام.

(1)

إن صاحب فكرة السيارة المحملة بصندوق زجاجى مضىء، عليه صورة السيسى بنظارة الشمس، أخطأ فى حق الرئيس ومصر.. إنها وسيلة ترويج لسلعة استهلاكية وليس لرئيس دولة كبرى.. الإعلام الأمريكى والأوروبى يبحثان دائماً فى نهاية النشرات الإخبارية عن المشاهد الطريفة، وللأسف اصطادوها باعتبارها لقطة ظريفة.. هذه زيارة رئيس رسمية.. وليست فرح العمدة.. شعبية الزعماء تكون فى بلادهم وليس خارجها.. ناصر والسادات ومبارك ذهبوا فى عشرات الزيارات الخارجية ولم يكن معهم هذا الطبل والرقص.. ربما مرة وحيدة بعد توقيع معاهدة كامب ديفيد ، ذهب وفد شعبى كبير مع السادات، لكن كان من النخب السياسية والثقافية والصحفية.

للأسف لقد استدرج الإخوان مؤيدى الرئيس إلى هذا التنابذ والتطاحن للتدليل على أن شعبية الرئيس مازالت شامخة.. شعبية الرئيس أو الزعيم لا يمكن تصديرها أو التنازع عليها خارج أرض الوطن.. لقد أعادنا الهتيفة والمعارضون إلى عصر معلقات الجاهلية ومناظرات جرير والفرذق ونحن فى القرن الـ21.. لا يصح أن نترك المنافقين وصيادى الفرص ينظمون الإساءة للرئيس بانعدام الذوق والحس السياسى.. المجاملة وفقاً لهذا الإخراج «البلدى» الفج مسخرة.. وعندما تقع الفأس فى الرأس يقولون لك الإعلام الغربى يريد إحراج الرئيس! لقد قضيت فى بريطانيا عاماً للدراسة فى السبعينيات وعاماً فى أمريكا للعمل فى الثمانينات ولم أر مثل هذه المناظر.. صحيح رأيت احتجاجات ضد بعض الساسة، ولكن من خلال وقفات محددة الزمان والمكان، ورأيت القائمين عليها يسعون لاكتساب ود واحترام المارة.. لم أر يوماً رئيساً من الذين يتم تنظيم احتجاجات ضدهم «القذافى أو بوكاسا أو موجابى» يحضر فريقه معه ليرد عليهم.. لكن الذى حدث أن الطرفين «المؤيد والمعارض» للسيسى جعلا «اللى ما يشترى يتفرج علينا».

ليس سراً من الذى اختار المرافقين للرئيس.. غرفة صناعة الإعلام التى تطوعت أيضا باختيار 24 نائباً لمرافقة الرئيس فى رحلته لأمريكا.. ولا أحد يفسر لنا لماذا استبعدت أسماء فى ثقل محمد العرابى، رئيس لجنة العلاقات الخارجية بالبرلمان، وزير الخارجية السابق، وأنيسة حسونة، عضو اللجنة، ومحمد فؤاد، عضو الكتلة البرلمانية للوفد، الذى قضى عشرة أعوام من حياته فى أمريكا.. من هؤلاء النواب تسعة فقط يتحدثون الإنجليزية، وبعضهم الفرنسية، أما الـ15 الباقين فإيدك والأرض.

(2)

فى حوار سابق مع صديق فى مصلحة الضرائب، قال إن هناك رجل أعمال، سياسياً، رئيس حزب ليبرالى كبير متهرب من الضرائب، وفى الوقت نفسه يعلن عبر قناة فضائية يملكها عن تبرعه لصندوق تحيا مصر!! الصديق قال إن مثل هذا كثير، يخالفون القانون ويرفضون دفع الضرائب، بينما ينافقون الرئيس ويدفعون تبرعات للصناديق التى يعلن عنها «هم يريدون رضا الرئيس بينما يطعنون اقتصاد الدولة فى مقتل»، فالتبرعات لا تبنى اقتصاداً وإنما الالتزام بدفع الضرائب أهم أسس بناء الاقتصاديات القوية.

الرئيس عبدالفتاح السيسى سيشارك فى أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة.. هذا خبر عادى جداً لكن عندنا ليس عاديا ولا يمكن أن يمر مرور الكرام.. وكيف يمر حدث مثل هذا ولا نجامل فيه الرئيس ونسترضيه؟!

المسرب من معلومات يشى بأن هناك نحو 90 شخصية عامة شاركت فى الوفد المرافق للرئيس فى نيويورك.. ضم إعلاميين وبرلمانيين.. وأن غرفة صناعة الإعلام المرئى والمسموع هى التى تحملت تكاليف سفر غالبية الوفد.. وهناك بعض الإعلاميين تحملت قنواتهم تكلفة السفر والإقامة.. المعلومات المسربة أيضا تشير إلى أن رئاسة الجمهورية نسقت مع غرفة صناعة الإعلام المرئى والمسموع فى اختيار الأسماء التى ستشارك فى الوفد.. وهنا من حقنا أن نسأل عن مهام هذا الوفد فى تلك الزيارة.. وما الذى فعله هناك؟ هل وقف، كما فعل من قبل على الرصيف مرحباً بالرئيس السيسى أثناء دخوله أو خروجه من مقر إقامته.. أو أمام مبنى الأمم المتحدة يهتف باسمه ويسب فى المعارضين له؟.

نقلا عن المصري اليوم...




الرئيسية
آخر الأخبار
انفوجرافيك
المقالات المتعلقة
ألبوم الصور