رئيس التحرير

محمد سويد

رئيس مجلس الأمناء

د. على المصيلحى


الشحن العاطفي.. وبذور التكفير

...

2017-05-08    am 04:27:25


محمد هشام





اليوم وإثر ولوجي من المنزل صباحًا، وحين سارت قدماي في نفس الطريق التي أسلكها كل يوم للذهاب إلى عملي، حاملاً في يدي كتابًا (رحلتي مع مصر لـ كزانتزاكيس) -اقتنصته منذ أيام من مكتبتي لأطالعه في خط سيري المعتاد ذهاب وإيابا من وإلى العمل- وعند وصولي إلى ناصية الشارع أشرت إلى سيارة مكروباص صغيرة «تمناية» لتقلّني إلى حيث أستقل «أوتوبيس» يأخذني لمقر عملي بوسط القاهرة، وفور ركوبي وقبل أن أغلق باب الـ"التمناية" -التي ويا للصدفة كانت صفراء اللون- خلفي، تسرب الصوت كمسمار صدئ غرس في نعل حذائي ووصل إلى كعبي، أخذت بيدي مقبض الباب الجرار لأغلقه، غرس المسمار في قدمي أكثر، انغلق الباب واصطكَّ صفيح السيارة، سكن المسمار أخيرا في رقبتي، حقا؟ هل هو؟

إنه يصيح ويزبد، "ينشال وينحط"، يصعد يهبط، وينفخ ويشهق، يتمخض، يا للهول ما هذا الحظ، وما هذا الصباح؟

لكأن الشارع أسفل السيارة قد مُلئ عن آخره بنهر لزج من سوائل البيض، إنه صوت "أمير الصناديق" في أحنق إفرازاته على البشر، إنه الشيخ الداعية الإسلامي -مجازا- محمد حسنين يعقوب، في صيحته التي ينقصها نفخة بوق "ما بتصليش ليه؟"، كانت تلك الصيحة تخرج من سماعات السيارة..

نعم.. فلقد ترقى الرجل وغادر أشرطة الكاسيت ليسكن في مفاصل الفلاشات وشرائح الذاكرة.

الرجل يحاول رغم جمود الروح واختلاط أنفاسه بالفلزات الثقيلة والمعادن الراكدة، أن يلعب على وتر العاطفة لتقريب الناس إلى عبادة الله عز وجل وزيادة صلتهم وحبهم للصلاة وتأدية الشعائر، لا ننكر على الرجل الدعوة إلى الله مطلقا، لكنا ننكر عليه أفكاره المتشددة وأسلوبه المنفر.
 
لكنه لا يستطيع وهو يواجه جمهورا عريضا وإعلامًا مترصدًا أن يتخفف من عدوانيته تجاه غير المسلمين، ويا للبؤس فكأن سائق «التمناية» قد تآمر مع يعقوب عليَّ، وأخذ يسير ببطء أشبه بالسلحفاة، وبطني تضطرب من الغثيان الذي يفرزه الداعية الثري.

في تلك الأثناء، كان الشيخ يحكي لجمهوره عن حب الصلاة، ويعنف من لا يصلي برخيم الكلام المراري.. وينصب نفسه نبيًا ويتحدث كأنه امتلك ناصية الحكمة من السماء، فيحكي عن انطباع أحد المسيحيين في بلاد الغرب عن الصلاة في شريعة المسلمين ويهو يثني عليها فيقول -والكلام ليعقوب-: شوفو الراجل بيتكلم عن صلاتك إزاي يا مسلم وبيمدحها، وانت مابتصليش! شوف الكافر بيقول إيه وانت مكسل تصلي يا مؤمن".. وأترك الحكم لكم..

ومن الناحية الأخرى تجد من يجلسون أمامه تنسكب على عواطفهم مياه دافئة من كلام الشيخ فيهللون ويكبرون لما قاله مولانا بل يقدسونه كثيرا، وهو يدعو إلى حب الصلاة بطريقة لو أراد أحد أن يسيء إلى الصلاة ما فعل مثله.

في النهاية يعقوب مجرد رجل سيأكل الدهر عليه ويشرب، وتنتهي حاله ويخفت تأثيره.. لكن مستخدم العاطفة الدينية في «أدلجة» وبلورة الرؤى لاستيلاد أفكار ذات توجهات سياسية عدوانية، راسمًا في النفوس خيالات تصيب الإنسان للحظات كالبرق وتضرب من حوله بالوجوم والسحر، يولد آلاف البراكين التي لا تخمد..

هذا ما فعله بالضبط سيد قطب حين كتب كتابه الخطير «معالم على الطريق».. هذا الكتاب الذي ألفه ليصير مزرعة تترعرع وتشب في الأدمغة بثمار التكفير والتطرف!

يتحدث قطب في هذا الكتاب عن معارك -من تصوراته هو- بين أهل الحق وأهل الباطل، وكيف أن أهل الحق عالون مترفعون ينظرون من علٍ إلى أهل الباطل، ويحكي قطب ملهبًا العواطف آسرا للخلايا، فيتحدث في أجواء ملحمية عن حزب الله وحزب الشيطان، وعن مأساة أصحاب الأخدود التي رضوا بالموت إخلاصا للعقيدة، ويزكي الحنايا والمشاعر بثقة شديدة ولهجة آنفة كرسول مُخلّص، بحوادث أخرى في سياقات مختلفة يضرب بها حلقات من الشجن، والشحن العاطفي، فما من قوة على الأرض أكبر تأثير من عاطفة الدين عندما تصدَّر في رؤى موجهة خبيثة.

لكن سيد قطب ما فتئ يضرب على وتر شديد الخطورة وهو يتحدث عن جاهلية المجتمعات الحديثة، وعن عوامل التغريب والتجهيل التي أصابت شعوب المنطقة العربية بعد الحرب العالمية الثانية، فيلمح أكثر من مرة في أبلغ دس للسم في العسل، بتشابه تلك الجاهلية بجاهلية ما قبل الإسلام ويعثة النبي محمد صل الله عليه وسلم.. في الحقيقة لقد أسست أفكار سيد قطب العاطفية الهلامية الملحمية المتعالية، جميع التيارات والتنظيمات المتطرفة، وكانت اللبنة الأساس في الفكر التكفيري حتى يومنا هذا.. لقد دُمرت مجتمعاتنا العربية بفعل التيارات الدينية كافة، وجرفت تلك الأفكار في تعاون مثمر مع البيروقراطية، كل آفاق التنوير والتطور والإبداع الذي بشّر به طه حسين والعقاد وتوفيق الحكيم ويحيى حقي.. إن المأساة كبيرة والواقع شديد الصعوبة.. فلنا الله ولنا الفن!

 



الرئيسية
آخر الأخبار
انفوجرافيك
المقالات المتعلقة
قم بمشاركة هذا الخبر مع الآخرين :
ألبوم الصور