رئيس التحرير

محمد سويد

رئيس مجلس الأمناء

د. على المصيلحى


محاولة لفكر جديد عن التجديد

...

2017-01-21    am 05:57:27


د. رفعت السعيد





ببال طويل لم يستشعر رغم طوله أى نقصان فى الصبر ولا حتى بالرغبة للتوقف لاعادة النظر فيما يتردد من أقاويل عن ضرورة التجديد، نظل ولم نزل وسنستمر نقول ودون أى تردد أننا سائرون على النهج المجدب نفسه، والذى لا يؤتى ثمارا فإن أتى تكون شوكا وحصرما ومن هنا كان لابد من المجازفة أو بالدقة المغامرة بحثا عن نهج جديد، أو على الاقل عن مدخل جديد. ونبدأ ببعض مفاهيم أولية.

كانت دولة الخلافة العثمانية تعانى فى مطلع القرن الماضى من بوادر تفسخ فإنهيار، لكنها كانت تكتسب انصياعا رمزيا من كل المسلمين وحتى دعاة الانحياز المحاذر لمفاهيم الحداثة الغربية منهم. وكان كل من يفكر بعداء للخلافة والخليفة العثمانى ويدعو لدولة مدنية يحاول جاهدا أن يؤكد أنه يعيش بجديد فكرة فى قفص الفكر السلفى الاصلاحى ملتزما به بشرط أن يغير ثيابه لتبدو حديثه.

هذه الظاهرة المتناقضة فى مكوناتها يمكن ملاحظتها من هتاف المصريين فور معاناتهم من الغزو العثمانى الهمجى وما ارتكبه من حماقات الى الهتاف يارب يا متجلى اهزم العثماللي مع الخضوع المتواصل لفكرة أن «الخليفة» العثمانى هو ذاته واجب الاتباع باعتباره رمزا للاسلام.

ومن هنا فإن دعاة الحداثة فى مطلع القرن الماضى لم ينجحوا فى بناء «هوية» نقيضه بشكل كامل، ولهذا أحدث انهيار دولة الخلافة العثمانية فراغا مربكا، فالنخبة التنويرية فى مصر مثلا كانت مزدحمة بالشوام،بينما كانت الوظائف الهامة يتملكها خليط (مصريون- شوام- بلجيكيون- انجليز- فرنسيون) وقد اسهمت المحاكم المختلطة، ولجوء لجنة وضع الدستور التى سماها الزعيم المطاع سعد زغلول «لجنة الاشقياء» إلى عدد من الدساتير الغربية وأساسا البلجيكية والفرنسية لتستمد منها عبق الغرب والحداثة، لم يحل المشكلة فالأمر يعود ليتعقد اكثر عندما يتخلى اصحاب الدستور عن مبادئه بينما يتمسك سعد زغلول بالدستور الذى صاغه خصومه.

وعندما ينقسم بعض القادة فى الوفد المصرى ليؤسسوا حزبا من عناصر تقترب مع بعضها البعض فى تركيبها الطبقى ونزوعها المجتمعى هو «الاحرار الدستوريين» فيكونوا الحزب الاقرب من سلطة الاحتلال ومن القصر فإنهم وبسبب نزعة ثقافية وفكرية ليبرالية يقفون ضد دعاة استعادة الخلافة ومع الشيخ على عبد الرازق (الاسلام وأصول الحكم) وضد مطاردة الفكر الحر (طه حسين- فى الشعر الجاهلي) بينما يقف الزعيم ذو الشعبية الكاسحة سعد زغلول ضد الكتابين والمؤلفين.

ويمكن القول إن ارتباكا آخر قد أتى عبر تعددية الانتماء لمؤسستين هامتين فى المسار الفكرى والاجتماعى ففى القضاء كان هناك ثلاث مؤسسات: القضاء المختلط - القضاء المدنى- القضاء الشرعى. وفى التعليم كانت هناك تعددية مربكة مدارس حكومية للتعليم المدنى- تعليم ازهرى- مدارس اجنبية يتعلم فيها مصريون وأجانب- مدارس تنتمى للاقليات الاجنبية الايطاليين- اليونانيين- الأرمن وغيرهم.

وما لبث هذا التمزق أن أفصح عن نفسه فى المكون الفكرى والاخلاقى والمعرفى والسلوك للافراد، ولعل الامام محمد عبده قد ادرك خطورة هذا الوضع فخاض معركة ضارية لتطوير المؤسسة الازهرية ومناهج التعليم فيها داعيا إلى فتح باب الاجتهاد من اجل تحديث الفكر الاسلامى ورفض التفكير المحافظ مؤكدا «انه دون استخدام العقل سوف يتعذر على المسلمين احراز أى تقدم؟ مؤكدا فى الوقت نفسه» ان الإسلام لا يتعارض مع العلم، فالعلم مثله مثل العقيدة يكشف للبشر اسرار الطبيعة و«أن سر تقدم أوروبا يكمن فى تفوقها فى مضمار البحث العلمى».

لكن كل هذه الدعوات تمرق سريعا وقد لا تغير معرفة الناس بحقيقة ما يجب، ذلك أن الفارق كبير بين العلم والمعرفة فالمعرفة هى التعرف المبسط للاشياء، فتراها كما هي، تقرؤها كما هى فإن اعتقدت أن اصحابها هم الاكثر علما أو انها مقدسة فسوف ترفض مخالفها باعتباره خارجا عن الملة، أما العلم بالشيء فيعنى استخدام العقل فى ادراك الظواهر أو الاقوال التراثية وتحليلها وفرزها ورفض ما لا يقبله العقل منها، والاكتفاء بالمعرفة يسوق العقل المصري- العربي- الاسلامى إلى تقبل حكايات وروايات واساطير مدسوسة فى كثير من كتب التراث فتضعه فى تناقض مع الواقع ومع العقل.

ومن هنا ينشأ ما يمكن تسميته التفكير الاسطورى، وهو يخيم على كثير من كتابات التراث وما نقل عنها فى الكتابات الحديثة فيلجأ بعض القدامى وبعض الجدد إلى تفسير النص الدينى (قرآن وسنة صحيحة) عبر اساطير وإعمال للخيال يستهدف اضفاء طابع المعجزة على كثير من التصرفات والمواقف، وهكذا فإن التفكير الاسطورى يمثل- دون أن ندري- واحدا من مكونات العقل عندنا جميعا يخضع له الكثيرون ويكبح جماحه القليل، لكن المثير للدهشة أن هذه الاساطير تندمج احيانا فى ثنايا تفكيرنا الدينى حتى الآن فتصبح جزءا من مكوناته وتضفى عليه قداسة.

وقد يتجاور هذا التفكير الاسطورى فى العقل عندنا وفى تصرفات الكثيرين منا إلى جوار التفكير العلمى فيتحول به إلى تصرفات غير عاقلة مثل عالم باكستانى كبير زعم امكانية استخدام نظرية النسبية فى قياس سرعة الروح إلى الجنة، وبروفسير سودانى قدم بحثا حول امكانية توليد الطاقة من الشياطين واستاذ جامعى مصرى فى علوم الفضاء يقوم بتحضير الارواح.

ولهذا فإننى اعتقد ان تجديد الفكر الدينى يجب أن يسبقه أو يصاحبه على الأقل تجديد جاد فى عقلية ومدركات المجتمع ككل.

نقلا عن الأهرام..



الرئيسية
آخر الأخبار
انفوجرافيك
المقالات المتعلقة
ألبوم الصور