رئيس التحرير

محمد سويد

رئيس مجلس الأمناء

د. على المصيلحى


الدروس الخصوصية.. السلبيات..والحلول

...

2016-12-28    am 09:56:47


محمد أبو ليله





من المعلوم بداهة أن العلم أساس بناء المجتمعات، وتطوير المؤسسات، وسبب رقي الأفراد والجماعات، وهو تركة الأنبياء الحقيقة، وعلامة ظاهرة على إرادة الله لصاحبه الخيرية، فهو قبل القول والعمل، ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة، وقد قال تعالي:" قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ" [الزمر: 9]، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» (أخرجه الشيخان)، والأصل أن يكون العلم حسبة لوجه الله تعالى، ليس عليه أجر ولا مال؛ ولهذا تكلم بعض أئمة الحديث في من يأخذ على التحديث أجرا؛ لأنه يُضيِّع العلم بذلك، ويجعله مقصورا على الأغنياء والأكابر؛ ولما كانت الدروس الخصوصية قد ذاع أمرها، واستفحل خطرها، حتى دخلت كل بيت، واشتكى منها الغني ومن لا مال له قط، فقد آثرت الحديث عن سلبياتها المدمرة للمجتمع بشكل عام، وضربت مثالا تطبيقيا حقيقيا لإظهار خطورة هذه المشكلة للقارئ الكريم.

والدروس الخصوصية مرتْ بأطوار فبدأت في البيوت بشكل سري، ثم خرجتْ للعلن بما تسمى السناتر، ثم دخلت الجمعيات الخيرية وغير ذلك.

وهذه الدروس الخصوصية لها آثارها السلبية المدمرة للبنية الاقتصادية، والعلمية، والنفسية، والأخلاقية، والدستورية، والإدارية للمجتمع.

فمن آثارها الاقتصادية: تحميل كاهل العائل الأساسي للأسرة بأعباء مالية إضافية هو في غنى عنها لو كنت الحياة العلمية تسير بشكل صحيح.

ومن آثارها العلمية: فقدان العلم بريقه المضئ في ذهن الطالب باعتباره الوسيلة الصحيحة لارتقاء الأمم، وزيادة الإنتاج، وتيسير حياة الناس وتنميتها، والتقليل من ثقة الطلاب بالمدرسة كمؤسسة تعليمية وتربوية شيدتها الدولة لإيجاد أناس صالحين، حتى يصل الأمر بالطالب إلى بغض المدرسة باعتبارها مقيدة لحريته بحجة أنه لا يستفيد منها شيئا، فضلا عن قلة اهتمامه بما يُلقى إليه في الفصل لتوفر البديل المريح.

ومن آثارها النفسية: تدمير الطالب نفسيا بتربيته على الاعتماد على غيره، فضلا عن خضوعه وخوفه من تهديد بعض المدرسين له إذا لم يلتحق بدرسه، ومن ثَمَّ ينشأ الطالب ضعيف الشحصية إلى حد كبير، فلا ينتفع منه المجتمع بشكل فعال.

ومن آثارها الأخلاقية: الخلوة التي تتم بين المدرس والطالبة في هذه الفترة العصيبة من حياتها أعني فترة المراهقة، وما يتبع ذلك من العلاقات الغرامية المتعددة، والتحرش اللفظي، والجسدي بها ، وقد حذرنا النبي- صلى الله عليه وسلم- من الخلوة المحرمة فقال: "لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ" رواه البخاري ومسلم.

ومن آثارها الدستورية: القضاء على مبدأ تكافأ الفرص التي يقوم على حمايته الدستور، وتظهر آثار ذلك على الأسر الفقيرة.

ومن آثارها الإدارية: إعتياد الإدارات التعليمية على الكسل، وعدم القيام بواجبهم في المتابعة للمدارس والمدرسين، فينتج عن ترهل مؤسسات الدولة، وانتشار الفساد فيها.

أما حلول هذه المشكلة وعلاجها فيعتمد على عدة ركائز مهمة، وهي:

1- تحسين الدولة ورفعها لراتب المعلم ، حتى يستطيع العيش بكرامة وبطريقة تحفظ له مهابته وعلمه، نعم قد لا تستطيع الدولة الآن أن توفر له هذا الأمر بسبب الظروف الاقتصادية السيئة، ولكنها تستطيع توفير بعض ذلك من خلال مجموعات للتقوية في المدارس الحكومية تقوم عليها لجنة متخصصة من أساتذة الجامعات والإدارات التعليمية، ويُنتقى لها المدرسون الأكفاء، ولا بأس أن تأخذ الدولة مبلغا زهيدا من الطلبة المتقدمين لا يكسر ظهور آبائهم تعطيه للمدرسين مع مساهمة لها في هذا الأمر، وفي نفس الوقت يُمنح المعلم الذي يتقدم للشرح فيها بعض الميزات العلمية والأدبية كسرعة الترقية وتسهيلها مثلا.

2- أن يكون نظام الترقية الخاص بالمعلمين شبيها بالنظام الجامعي، الذي يبدأ بمعيد، فمدرس مساعد، فمدرس، فأستاذ مساعد، فأستاذ، فأستاذ متفرغ...، والمعيد له سنوات معينة لابد أن يأخذ فيها الماجستير وإلا نزل إلى وظيفة إدارية، وهكذا المدرس المساعد، واقتراحي أن يكون النظام التعليمي في المعاهد والمدارس شبيها بهذا النظام، وأن يكون نظام الترقية قائما على أسس من سنوات معينة يجتازها المدرس شريطة أن لا يثبت عليه في هذه الفترة أنه أعطى دروسا خصوصية، وأن يكون شرحه مرضيا عنه من خلال تقارير تُقدم من الطلبة بصورة سرية إلى الإدارة التعليمية، وكذا من المفتشين، ولا بأس أن تشكل لجنة في كل محافظة؛ لترعى هذا الأمر.

3- من ميزات النقطة الثانية أنها تجعل المدرس حريصا على الإقلاع عن الدروس الخصوصية بشكل سريع، أو على الأقل جعلها سرا، وهذا حل سريع وقوي  يقضي على السناتر المنتشرة الآن في مصر، حتى المدرس الذي يعطي دروسا في الخفاء سيضطر لتخفيض سعرها حتى لا يشتكيه أحد من الناس.

5- تشديد العقوبة على من يثبت فتحه سنترا للدروس الخصوصية، أو جمعية يتستر ورائها لهذا الأمر، بحيث تصل العقوبة بالفعل المتكرر له إلى عدم الترقية، أو الفصل النهائي.

6- إختيار أفضل المدرسين وأقواهم لكلا المرحلتين الابتدائية والثانوية بالذات، وتمييزهم ماديا وأدبيا.

7- إجبار الطلاب على العودة إلى المدارس خاصة لمرحلة الشهادة الثانوية، وليس هناك ضير من تقليل عدد أيام حضورهم بحيث يكون أربعة أيام في الأسبوع، ويبقى الطالب يذاكر في الأيام الباقية، وتشديد إجراءات إعادة القيد حتى يُلزم الطالب بالحضور.

8- تشكل لجنة من الإدارة التعليمية لسؤال طلبة الشهادة الثانوية والإعدادية عن المدرسين الذين يقترحونهم للتدريس، وذلك في أول أسبوع من الدراسة، وتوفير المدرسين الأكفاء للتدريس.

9- تشجيع الطلبة على التواجد في المدراس من خلال تنويع الأنشطة التثقيفية والتربوية لهم، فما المانع أن تكون لهم رحلات لزيارة معالم المحافظة والمحافظات الأخرى، وأن يُحرض المثقفون، وأساتذة الجامعات، وعلماء النفس، والشيوخ، وقيادات الدولة على زيارة المدراس بصفة دورية.

10- الحفاظ على كافة الحقوق الإنسانية للمعلم ، وللطالب بحيث لا يبغي أحد على أحد، ولا يتسلط أحد على أحد، ويعرف كل منهما حقوقه وواجباته، حتى تكون المدرسة صدرا رحبا جاذبا لا منفرا.

وفي النهاية نسأل الله التوفيق للجميع، وأن يحفظ مصر آمنة مطمئنة، وجميع بلاد المسلمين.

 



الرئيسية
آخر الأخبار
انفوجرافيك
المقالات المتعلقة
ألبوم الصور