رئيس التحرير

محمد سويد

رئيس مجلس الأمناء

د. على المصيلحى


أن نكتب شعرًا على مشارف 2017

...

2016-12-22    pm 03:42:37


محمد هشام





نعم.. مسكين ذلك الشاعر الذي يقبض على كلامه في زمن يطارد الناس فيه «البوكيمون»، ويعبدون خلاله وسائل التكنولوجيا الحديثة، ويحجون ويعتمرون في باحاتها. حتى صار أهل الأقلام غرباء في أوطانهم ومجتمعاتهم وغرباء أكثر داخل ذواتهم.

في تلك اللحظة وبينما أكتب هذه المقالة، يجلس بجانبي شاب في أوج توهجه.. لم يرفع عينيه طوال ساعة منذ تحرك أوتوبيس النقل العام، عن شاشة تليفونه المحمول التي تعمل باللمس، وهو يصطاد الكواكب الشريرة في الفضاء، بينما تصدر لعبته صوت موسيقى درامية تهيج الآلة التي تسكن في عقله _بالطبع اعتادت كاميرا عيني على التقاط هذا المشهد الجماعي يوميا_ وهي في ذات التوقيت تحدث توترا في إيقاع قلمي الذي يكتب بالكاد مع رجرجة المطبات التي "يأكلها" الأوتوبيس.

في منتصف القرن المنصرم، تنبأ فيلسوفنا العظيم مارتن هيدجر في أطروحاته بأن الثورة الصناعية الحديثة التي اكتسحت أوروبا هي بداية فعلية لفناء الكائن الحي، قائلا: إن الإنسان حوَّل الأرض لـ«موضوع للاستهلاك» وأن المساحة المنبسطة أسفل الإنسان تتكشف عنه وتتآكل يوما بعد يوم، وهو ما ينذر بهلاك حتمي قريب.. والشيء بالشيء يُذكر، فإن الحديث عن تأثير المادية الصناعية على الفنون والآداب صار أيضا «موضوعا للاستهلاك».

إذن لا جديد.. هي ديمومة مطالب أن تدور بين رحاها يا صديقي الشاعر.. تكتب فتُوضع الأصابع في الآذان، وتستبصر فلا يُدرك كل ذي بصر ما يسبح في خاطرك، وتشعر والثلج يغمر الأفئدة ويرعى في الحواس والذائقة الجمعية.. تكتب للضعفاء والفقراء فتُصاب أول الناس بكرابيج العامة، وترسم للجمال فلتدغك عقارب المثقفين وارتدادهم الحضاري.. تغني لأقرانك فتغدر بك دسائس وتشوهات ورجعية الفرقاء.. تشدو لتشعر بالتقييم فيكسرك أمراء الصحراء ومصفِّقو الدِّعائية والحنجورية والمنبرية.. نعم إنك محاصر من كل اتجاه!

ولماذا تستمر هكذا يا صديقي؟ لا إجابة بالطبع، إنك أسير جدا ومثير للشفقة، إنك خائف والخوف يجري خلفك فتسرع وتسرع مثل من يركضون ليلحقوا بـ«المترو» قبل أن يُغلق أبوابه وكأنهم يركضون ليستقلوا القطار الذي سيأخذهم إلى الفردوس المفقود، أو أنهم يفرون من يوم قيامة يركض خلفهم.. إنك غريب جدا وقدوم 2017 سيجعلك أكثر غرابة وسخرية! إنك تعرف ذلك جيدا فلا داعي لأن نضحك على بعضنا البعض.

أرجوك لا تجادلْ وكُفَّ عن الثرثرة، آه.. كنت أعرف أنك ستذكرني بـ«بريخت» الشاعر الألماني حامل لوائنا إلى الجنون: «الكلمة الطيبة لا تجدُ من يسمعُها/ والجبهة الصافية تفضح الخيانة/ والذي ما زال يضحك/ لم يسمعْ بعدُ بالنبأ الرهيب/ أي زمنٍ هذا؟! الحديث عن الأشجار يوشك أن يكون جريمة/ لأنه يعني الصمت على جرائم أشد هولا».. لماذا دائما تذكرني بهذه القصيدة «إلى الأجيال القادمة»، ألا تمل من اليأس والسوداوية؟ بالطبع لا، وستظل هكذا تنعب في الفراغ.

سأقول لك: هل جربت يوما أن تتجول في شوارع القاهرة بعد منتصف الليل، تجد قاهرة غير التي تراها في التاسعة صباحا؟ وحينها تستطيع أن تجلس على أي رصيف وتكتب قصيدتك الحلم، وتستطيع أيضا أن تأوي إلى النيل فتغني أعظم الغناء تحت رطوبته الحنونة.

حسنا سأجيبك: إن القصيدة الحلم لن تأتي حتى لو ذهبت بي إلى جنات عدن فأرح نفسك وأرحني، فقط عليك ألا تعبأ.. واقضِ آخر أيامك وأيام الأرض بين أوراق كتبك التي تعج بها مكتبتك، توغل في بصيرة أبي العلاء، وصاحبْ جنون نيتشة، وامشِ في حيرة الحلاج، وكن قاسيا على فقراء الخيال حينما يصعدون إلى المنصات مثلما كان أمل دنقل، واحذر أن تصيبك ضربة من الضربات الموجهة إلى الكواكب الشريرة التي تطلق من الهاتف بجانبك.

وسامحني.. أطالبك يا صديقي أن تسامحني كما طالب بريخت أحفاده القادمين من المجهول: «آه/ نحن الذين أردنا أن نمهد الطريق للمحبة/ لم نستطع أن يحب بعضنا بعضًا/ أما أنتم فعندما يأتي اليوم/ الذي يصبح فيه الإنسان صديقًا للإنسان/ فاذكرونا/ وسامحونا».. هل تظن أن ذلك اليوم سوف يأتي؟ الأمر الوحيد الذي أظنه الآن أن أوتوبيس النقل العام قد دخل إلى المحطة، وعليك أن تنزل الآن حتى لا يفوتك ميعاد بصمة الحضور والانصرف في مقر عملك. 

اقرأ للكاتب

ملتقى الشعر العربي و«مراهقات» المثقفين العرب

الخطايا الكبرى لمُحرِّري الثقافة ونقاد الأدب الشباب

قال: «ادخلوا أَمنحكُم السرّ».. «أحاديث غير مُعلنة» عن محمد الشهاوي

الجريمة الثقافية (1).. هكذا طعنت المسابقات الأدبية «الإبداعَ العربي» من الخلف

البرنامج الكامل لـ«ملتقى الشعر العربي».. عشاق الفن الأصيل تتجه أنظارهم ناحية «جيل الشباب الذهبي»

 



الرئيسية
آخر الأخبار
انفوجرافيك
المقالات المتعلقة
قم بمشاركة هذا الخبر مع الآخرين :
ألبوم الصور