رئيس التحرير

محمد سويد

رئيس مجلس الأمناء

د. على المصيلحى


فى معنى دولة القانون!

...

2016-12-11    pm 05:02:16


عبد المنعم سعيد





نتحدث كثيرا عن دولة القانون فى مصر باعتبارها المعنى الصحيح للدولة المدنية التى تقوم على قواعد وقيم تم التوافق عليها بين ممثلى الشعب لكى تحدد الحقوق والواجبات للأطراف المعنية فى موضوع ما. القانون هكذا هو نص فى النهاية لا يخضع لنزعات البشر، وإنما هو بعد إقراره تصير له قيمة مستقلة تكون أداة للتحكيم والحكم. وما إن تستقر هذه الحالة فى الدولة يصبح نوعا من الثقافة العامة، التى تقوم على أن المواطنين يحتكمون للقانون فى فض منازعاتهم، ويمتد ذلك ثقافيا إلى أمور أخرى تكون فيها القواعد سابقة على الحالة المعروضة، ولا يجوز ساعتها- مثلا- أن يعترض أحد على ما يقول به حَكَم فى مباراة كرة قدم، فضلا عن تهديد النظام العام بالانسحاب من المسابقة المعنية. ولكن حتى يكون ذلك ممكنا فإن الثقة فى القواعد والقوانين لابد لها من الشيوع، فتصبح صناعة القانون جزءا مهما من بناء هذه الثقافة، التى تنزه الدولة عن الانحياز لطرف أو آخر.

مناسبة القول هنا أن عديدا من القوانين المهمة، والمحورية، يجرى سَنُّها هذه الأيام، وللأسف فإن عملية صناعتها تُعرِّض الثقة فيها لخطر بالغ. وفى العادة فإنها تؤدى إلى اللجوء إلى المحكمة الدستورية العليا، التى قد تقضى ببطلان القانون أو مادة فيه كما حدث مؤخرا مع قانون التظاهر. المدهش أن عملية صناعة القوانين فى مصر باتت تسير وفق نمط لا يشجع أبدا على الثقة بها، وحينما يحل الشك مكان الثقة فإن النتيجة السياسية تكون وخيمة. النمط يبدأ دائما بالتأكيد على أهمية الموضوع وضرورة تقنينه، وأكثر من ذلك يجرى الإعلان عن أن حوارا مجتمعيا سوف يجرى حتى يخرج القانون وقد توافق المجتمع عليه. هنا فإن الأحزاب والجمعيات والإعلام تبدأ فورا فى الاهتمام بالقانون المنتظر، ويتطوع البعض أحيانا بطرح وجهات نظر متكاملة، وفى أحيان تأخذ الدولة وبجدية كاملة التفاوض مع الأطراف المعنية بالقانون، وفى كثير من الأحيان ينتهى الأمر إلى قانون كامل لا ينقصه إلا اتخاذ الإجراءات اللازمة لإصداره من أول موافقة مجلس الوزراء عليه، حتى عرضه على الأجهزة القضائية لمراجعة النص، ونصل فى النهاية إلى مجلس النواب.

إلى هنا تبدو صناعة القانون ملائمة تماما لدولة يحكمها القانون. ولكن أمرا يحدث ما بين إعداد القانون الذى أرضى الجميع، ومثوله فى مجلس النواب، بحيث يصل القانون إلى المجلس فى صورة مختلفة عما تم التوافق عليه، أو أن قانونا آخر مختلفا تماما يجد نفسه فجأة على طاولة المجلس الموقر. كان ذلك هو ما حدث مع قانون الجمعيات الأهلية، الذى قامت الوزيرة المتميزة غادة والى بالتشاور مع الجمعيات الأهلية بشأنه، وانتهت فى وزارتها النشطة إلى قانون يحوز القبول من أطرافه، وفيه من التوازن ما يكفى بين من يُقدرون ويعرفون قيمة العمل الأهلى فى مصر، وبين المتخوفين من التدخل الأجنبى. الوزيرة بعد ذلك حصلت على موافقة مجلس الوزراء، ولكن قبل المثول أمام السلطة التشريعية كان قانون آخر قد حل محل القانون الذى جرى التوافق عليه، والأرجح أنه يكفى لغضب الجميع. هنا يعرف نمط إصدار القوانين فى مصر خطوة أخرى قبل صدور القانون، وهى أنه مادام الجميع بات غاضبا فإن بعضا من المرونة تأتى على أصحاب القانون المطروح، فيقدمون تنازلا هنا أو هناك، وبعدها يصير مشروع القانون قانونا.

مثل هذا النمط شائع فى القوانين التى نصدرها، ومَن غضب من قانون الجمعيات الأهلية فعليه أن ينتظر ما قد يحدث فى قانون الإعلام، الذى جرى التفاوض عليه بين عدد من الوزارات وجماعة الصحفيين والإعلاميين حتى تم الانتهاء منه، ولكن ما ذهب إلى مجلس النواب كان أمرا آخر. ومَن راقب ما حدث فى قانون التظاهر سوف يجد أن المحكمة الدستورية العليا سوف تكون عَلَما من أعلام كل قانون. صحيح أن المحكمة جزء من مؤسسات الدولة، إلا أن تكرار المثول أمامها فيما يخص القوانين يجعل الثقة فى القوانين وصناعتها أمرا صعبا، ومع ضعف الثقة فإن ثقافة القانون لا تذيع، وإنما تضعف وتحل محلها ثقافة أخرى للشك والخوف والتربص. وهنا ينتهى الأمر إلى أن دولة القانون لا يصير لها وجود فعلى، أو أنها هى ذاتها تصير موضوعا للتنازع، بعدما ضاعت «الشرعية» القانونية التى تستند عليها. ولمَن لا يعرف فإن المحكمة الدستورية العليا حكمت بتعديل أو نقض أكثر من 200 قانون صدرت خلال الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضى، وكانت النتيجة هى ما نعرفه جميعا الآن.

دولة القانون هى دولة حديثة بالضرورة تقوم على الفصل بين السلطات والتوازن بينها، وعندما يستقر فيها القانون، وطريقة صناعته، ولا تدخل فيها عناصر خفية لا يعرف أحد متى تظهر، ومتى سوف تختفى، فإنها فى النهاية التى تضع الثقة اللازمة لحياة البشر، والاستثمار، والتقدم بصفة عامة. لقد كان عصر الثورات الذى عشناه كافيا لكى تعرف مصر حالة من عدم الاستقرار التى خلقت تخوفات وهواجس، والآن فإن العودة إلى الاستقرار مرة أخرى تحتاج بشدة احترام القانون وصناعته.

نقلا عن المصري اليوم



الرئيسية
آخر الأخبار
انفوجرافيك
المقالات المتعلقة
ألبوم الصور