رئيس التحرير

محمد سويد

رئيس مجلس الأمناء

د. على المصيلحى


سيد البشر ولا فخر

...

2016-12-11    am 03:51:51


محمد علي إبراهيم





ذهبت إلى الكتّاب مبكرا فى حى العباسية.. الشيخ عبدالله أبو سقاية- رحمة الله عليه- أول من حفظت القرآن عليه.. لم يكن كبقية المشايخ الذين يضربون بـ«الفلكة» أو بالعصا.. يبتسم إذا ما رضى ويهز رأسه لو أخطانا أو سهونا.. حفظنا عليه سورة الضحى فى الصف الثانى الابتدائى.. لاحظت دموعه ونحن نتلو «ألم يجدك يتيما فآوى».. كان مولانا يتيم الأم، وتزوج والده امرأة أخرى لترعاه وإخوته، ويشاء الله أن تكون عقيما فأذاقته وأشقاءه سوء العذاب.

حكيت لأبى، فإذا بالوالد يبكى أيضا، ويخرج صورة أمه من محفظته.. فهمت أن الله يأخذ كل يتيم فى حمايته، ويحس الصغير بيد السماء ترعاه.. لكن البشر ليسوا كالأنبياء.. ومحمد نبينا الذى نحتفل بذكرى مولده أشهر أيتام البشرية.. مات أبوه قبل ميلاده، وأمه وهو فى السادسة، وجده عبدالمطلب وهو فى الثامنة، ورباه عمه أبوطالب.. غير أن الرسول استظل بالعرش منذ مولده.. آواه المولى- عز وجل- فى كنفه.. رعاية سماوية وعناية إلهية جعلت الصغير لا يضل ولا يشقى.. وضعته أمه فى عام الفيل.. حفظه الله فى الغيب منذ خلق آدم.. نبى آخر الزمان خرج من رحم أمه، فغمر الضوء قريشا..

طاف به جده الكعبة شكرا للآلهة التى حفظت له نسل ولده عبدالله بن عبدالمطلب.. أعتق عمه أبولهب عبدالعزى بن عبد المطلب جاريته حليمة التى بشرته بمولد ابن أخيه غير الشقيق.. ورغم ذلك كان هو الأشد عداوة للرسول ومعه الوليد بن المغيرة.. ذكر القرآن أنهما سيصليان سعيرا.. يقول- صلوات الله عليه-: «أدبنى ربى فأحسن تأديبى».

مولد الرسول جاء بمثابة رسالة إلهية للقوى العظمى وقتها التى فقدت العقيدة.. فقد خرجت بيزنطة «روما» من روحانية المسيحية إلى الجدل العقيم.. وظهرت فارس المجوسية فى غرورها وبطشها وهددت روما، وتنبأ القرآن بالمواجهة بين القوتين فى سورة الروم، حيث قال: «غلبت الروم فى أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون فى بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون».

ابتدأت السورة بحدث غيبى قبل وقوعه بعدة سنوات، وهو انتصار الروم على الفرس، بعد هزيمتهم أمامهم وقت نزول هذه السورة المكية.. هذه إحدى إشارات الله أن هناك أمة كبرى تنشأ فى الصحراء القاحلة يقودهم نبى آخر الزمان ستهزم العالم كله، ويفرح بها ومعها من آمنوا بالرسول.. إذن النبى اليتيم الفقير الذى يُتصور أنه ضعيف يشعر أنه يتحرك بالأمر الإلهى قبل هبوط الوحى.

إن الذى بعث الرسول بالحق، اختاره من بيئة صراع كنموذج للدنيا الفانية، حيث قريش يتنازعها أصحاب الترف والطمع وأوساط الناس الذين لا هم بالأقوياء أو الضعفاء.. يقول المولى: «وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا».. الله رسم للمسلمين منذ الأزل أنهم أمة وسط فى كل شىء.

نشأ الحبيب نبيلا عريق النسب.. فقيرا لا يطغى عليه بأس الأغنياء.. يتيما بين رحماء.. ليس مدللا أو مهجورا منبوذا تقتله القسوة.. تمرس بالعيش فى البادية والحضر.. تربى صحراويا وشب فى المدينة.. راعيا كان وتاجرا ومحاربا.. اقترب من الميسورين ولم يبتعد عن الفقراء.. باختصار هو خلاصة «الكفاية العربية».. لا يجهل دنيا عاشها قومه، ولا يغامس شرورها فيغرق فى لجتها.. هو أصلح رجل من أصلح بيت فى أصلح زمان.. كانت الدنيا تحتاجه والتاريخ ينتظره والقلوب مهيأة للخلاص.

1-

وتبحث عن أوصاف للرسول، فلا تجد على كثرتها أصدق مما قاله هو عن نفسه.. وإن كان رب العزة قد كرمه فى كتابه قائلا: «ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك».. وفى موضع آخر يقول المولى: «وإنك لعلى عظيم».. يصف النبى- عليه الصلاة والسلام- نفسه فيقول: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر.. وأول من يشق عنه القبر ولا فخر.. وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر».. قمة التواضع، فهو وإن كان يتحدث عن حقائق فإنه يقرنها دائما بـ«ولا فخر».. هو فرح بنعمة الله التى اختصها به، وهو يضيف للنص القرآنى «وأما بنعمة ربك فحدث».. الرسول يعرف قدره ويوقره بقية الأنبياء الذين أممهم فى ليلة المعراج.

هو الأول بينهم بالنص القرآنى: «وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا».. هو عند الله قبل كل الأنبياء وقبل الملائكة.. دنا من العرش، وعندما سأله أصحابه هل رأيت الله قال: «لم أره بعينى ورأيته بفؤادى مرتين».. يقول الله فى سورة النجم: «ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ما كذب الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ما يَرى ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى، ما زاغ البصر وما طغى لقد رأى من آيات ربه الكبرى».. يقول بعض المفسرين إن النبى- عليه الصلاة والسلام- رأى الله فأغمى عليه، ولم يستطع وصفه لأنه أبعد من حواس البصر والسمع.. الله أقرب إلى الفؤاد وهو ما أكده النبى.

أعود لأوصاف الرسول.. فأقول إنه قصد بسيد ولد آدم يوم القيامة- رغم أنه سيدنا فى الدنيا والآخرة- لأن السيد هو الذى يفزع إليه الناس فى النوائب والشدائد فيقوم بأمرهم «تفسير الجلالين» ويتحمل عنهم مكارههم ويدفعها عنهم.. يوم القيامة تظهر قوته للجميع فلا ينازع دينه أحد ولا يعانده أحد ولا يقارنه أحد بنبى آخر.. الكل يهرع إليه طالبا النجاة لأنه الشافع الشفيع الأوحد، فيرد محدثا الله «أمتى أمتى».. حبيبى يا رسول الله.

أمام قبره فى المدينة لو أسعدك الحظ فى صلاة الفجر، وكان مقام سيدى خاليا نسبيا تلقى عليه السلام.. يا ألله.. ساعتها ستشعر أنه يرد عليك التحية.. تتصبب وتبتل ملابسك بالعرق من هول اللحظة.. بعض الناس لا تشعر بهذا، ويلقون السلام عليه بلسانهم.. أما الذين يحيونه بقلوبهم فأولئك هم المتقون وهم معه بإذن الله.. إنها لحظة الحقيقة الثانية فى الحياة بعد الموت.. عندما تشعر أن جبل الذنوب الذى تحمله على كاهلك قد خف بعون الله.

2-

يقول العلماء إن مذهب أهل السنة والجماعة أن المتقين أفضل من الملائكة، لأنهم يجاهدون أنفسهم، وهم فى صراع مع الشيطان أبد الدهر.. أما الملائكة فلا يعرفون هذا الصراع.. وبالتالى فالرسول هو أفضل بنى آدم.. ومقولته لها حكمة، لأنه قال إنه سيد ولد آدم قبل أن يعلمها، فلما علمها أفصح عنها.. قالها أدبا وتواضعا.. هو لم يرد أن يخالف النص القرآنى «لا نفرق بين أحد من رسله» رغم أن الساعة- وعلمها عند ربى- تقوم على شريعته حتى لا يفهم من كلامه أن هناك مفضلا ومفضلا عليه.. هو أيضا أصر على أن يقرن صفاته بالتواضع لا بالخصومة والفتنة والتعصب لدين عن سواه.. فى ذات الحديث يؤكد ما ذكره القرآن عن تفضيل لبعض الأنبياء على بعض.. يقول المولى- عز وجل- فى محكم آياته: «تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض» صدق الله العظيم.. لكن النبى له ما يميزه.. وخصائصه معلومة ومؤلفات أبوحامد الغزالى، وخالد محمد خالد، وعبقرية العقاد تناولت كثيرها، وإن كان ملأت صفحات، إلا أنه يزيد النفوس تعطشا لمعرفة المزيد عن خاتم المرسلين وسيد البشر.

وخير ما نختم به هو ما جاء فى كتاب الله- عز وجل- عنه وعن الإسلام كرسالة آخر الزمان، أن الله- عز وجل- خص القرآن الكريم المنزل عليه بالحفظ دون غيره من الكتب، قال- تعالى-: «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون» الحجر/9.. أما الكتب الأخرى فقد وكل الله أمر حفظها إلى أهلها، قال- تعالى-: «إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء» المائدة/44.

إنه خاتم الأنبياء والمرسلين، قال- تعالى-: «ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين» الأحزاب/40.

اختصاصه بأنه أرسل إلى الناس عامة، قال- تعالى-: «تبارك الذى نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا» الفرقان/1.

سيدى عليك أفضل الصلاة وأتم السلام.

نقلا عن المصري اليوم...



الرئيسية
آخر الأخبار
انفوجرافيك
المقالات المتعلقة
ألبوم الصور